كيف حلت حلفايا وإدلب محل القرداحة في قلب السلطة السورية
كمال شاهين
المقال الأصل منشور في: newlinesmag.com.
منذ سقوط نظام الأسد في أوائل ديسمبر/كانون الأول 2024، تراجعت سنوات من الاغتراب وبدأ بعض السوريين يرددون عبارات مثل "أنا من حلفايا" أو "أنا من إدلب" بنوع من الفخر. تأتي هذه الإجابات رداً على السؤال الأزلي الذي يطرحه السوريون عندما يصادفون وجوهاً شابة غريبة تظهر في مؤسساتهم، ومخافر الشرطة، والفروع الأمنية، والهيئات الحكومية لديهم. إن الحاجة إلى معرفة أصول الأشخاص وخلفياتهم تمتلك جذوراً تمتد إلى ما هو أعمق من الحرب وانقساماتها الجغرافية، ناهيك عن الاستيلاء اللاحق على سلطة الدولة في سوريا.
يفهم السوريون هذا السؤال على الفور، ويعلمون تماماً أنه ليس بريئاً على الإطلاق؛ ولم يكن كذلك يوماً. إنه سؤال سوري بامتياز، يُطرح بتواتر ملحوظ في كل لقاء وتعارف. ولم يكن يوماً متعلقاً بالجغرافيا البحتة؛ بل يرتبط أساساً بمجموعة محددة من السلوكيات والأحكام المسبقة التي تحملها أسماء المدن والبلدات في طياتها — وهو ما يطلق عليه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو مصطلح "الهابيتوس" (السمت أو البنية الذهنية والسلوكية).
قبل الحرب، كان السوري يطرح هذا السؤال لتقييم الشخص المقابل له، سواء كان خصماً، شريكاً، أو جاراً. وخلال سنوات الحرب، كان السؤال نفسه يستقبلك عند الحواجز العسكرية التي تديرها الفصائل المسلحة المسيطرة على الطريق، وكانت إجابتك قد تعني نجاتك أو موتك.
في العقل السوري، تحمل الإجابة عن سؤال "من أين أنت؟" مؤشرات خفية تُدرك بالفطرة: فمكان الولادة يشير إلى الطائفة، واللكنة تشير إلى الأصل أو المنطقة. ومنذ سقوط نظام الأسد، اكتسب السؤال بعداً آخر من المعاني المبطنة: هل شاركت مسقط رأس هذا الشخص في الثورة، أم كانت تابعة لمناطق النظام القديم، أم لعلها تنتمي إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الأكراد؟ لقد تغير الوضع اليوم، لكن معنى الإجابة تغير بشكل أكبر بكثير من معنى السؤال نفسه.
في هذه الأيام، بدأت الإجابات التي يقدمها السوريون تفرز نفسها في خنادق متمايزة. فهناك "أبناء الثورة" والمتعاطفون معهم؛ وهناك "الرماديون" الذين وقفوا على الحياد؛ وهناك أبناء النظام، "الخونة" الذين يرفضون الاعتراف بأن سوريا شهدت ثورة من الأساس. وهناك فئة أخرى، هي الأكثر بروزاً على الصعيد الاجتماعي منذ سقوط نظام الأسد: وهم "مهندسو الثورة" أنفسهم.
عندما يجيب بعض السوريين: "أنا من حلفايا" أو "أنا من إدلب"، فإنهم يضعون أنفسهم مباشرة في ذلك المعسكر الأخير. ولا تكون هذه الإجابة دائماً حقيقة قابلة للإثبات؛ بل يمكن أن تكون ببساطة بقايا فرصة ضائعة أو طموحاً يسعى صاحبه إليه. ويمكنك أن ترى علامات عدم التصديق في هزات الرؤوس التي تأتي رداً على ذلك. ولكن لماذا باتت الإجابة بـ "من حلفايا" أو "من إدلب" تتردد بكثرة في الأحاديث السورية؟ الإجابة، كما سيتضح، لا تتعلق بحجم تضحيات حلفايا بقدر ما تتعلق بما حدث بعد سقوط النظام: إذ قطع أبناء البلدة الرحلة من كونهم مقاتلين ليصبحوا وزراء وقادة أمنيين، مما يثير أحد الأسئلة المتكررة في التاريخ: من يقطف ثمار الثورة، أي ثورة؟
إن تسمية نفسك مهندساً للثورة لا تجعل منك مهندساً للدولة التي تليها. هذا هو الاختبار الذي تخوضه حلفايا اليوم، دون أن تستوعبه بالكامل بعد. وتعيش كل من حلفايا وإدلب قصة جديدة تشبه قصة القرداحة، مركز ثقل سوريا الأسد، وإن كان ذلك مع وجود اختلافات ملحوظة.
حلفايا بلدة زراعية تقع إلى الشمال الغربي من حماة على نهر العاصي، وتشتهر بمحاصيل البطاطا والكمون ومزارع الأسماك النهرية. وتأتي شهرتها بين السوريين من "الحلفاوية"، وهي مركبة بدائية اخترعها حدادو البلدة باستخدام المواد المتاحة محلياً. وأثبتت هذه المركبة جدارتها في نقل البطاطا والكمون وبقية محاصيل الريف السوري إلى أسواق المدن باعتداد مقبول، في وقت جفت فيه واردات السيارات وأصبحت أسعارها باهظة. واليوم، مع سقوط نظام الأسد وتدفق آلاف السيارات الحديثة إلى البلاد، تبدو أيام "الحلفاوية" معدودة.
تتجاور هذه الصورة لحلفايا، المألوفة للسوريين العاديين والبعيدة عن السياسة، مع صورة أخرى مرتبطة بتاريخ الحرب الأهلية. فقد انضم جزء من سكان البلدة إلى الاحتجاجات ضد نظام الأسد في وقت مبكر، وانطلقوا من مسجدها الرئيسي وهم يترنمون بأهزوجة ساخرة تقول: "يا بشار يا واوي، مانك قد الحلفاوي". وفي 23 ديسمبر/كانون الأول 2012، شهدت حلفايا واحدة من أوائل المجازر التي ارتكبها نظام الأسد ضد الثوار؛ حيث قُتل 43 شخصاً فيما أصبح يُعرف بـ "مجزرة الرغيف" (أو مجزرة المخبز)، وفقاً لما وثقه المرصد السوري لحقوق الإنسان.
ولم يمضِ وقت طويل حتى بدأت الألوية المسلحة تبرز من هذه البلدة الصغيرة: كتيبة أبو العلمين في مارس/آذار 2012، ومجاهدو أبو بكر الصديق في منتصف عام 2012، وألوية الفاروق، وغيرها. وخلال النزاع، اندمجت هذه الألوية مع ألوية أخرى، وبحلول أواخر مايو/أيار 2025، انضمت إلى نحو 130 فصيلاً آخر تحت مظلة "الجيش السوري" الجديد، مما يعني أن العشرات، إن لم يكن المئات، من أبناء حلفايا يخدمون الآن ضمن هذه المؤسسة العسكرية.
وكحال العديد من البلدات والمدن السورية، احتوت حلفايا على كل التناقضات الممكنة في آن واحد: حيث تأسست فيها أيضاً ميليشيات موالية للأسد على يد شخص يُدعى صالح الحمود، والذي اغتيل لاحقاً. وضمن "صور قيصر" — وهي الصور المهربة التي توثق التعذيب في سجون الأسد والتي سُربت عام 2018 — كانت هناك صور لأشخاص من حلفايا قتلتهم الأجهزة الأمنية السورية. كما أنجبت البلدة أحد الشخصيات المؤسسة لجبهة النصرة، وهو صالح الحموي، الصديق والمقرب السابق للرئيس أحمد الشرع، والذي أصبح اليوم أحد أشد منتقديه ويكتب على منصة "إكس" (تويتر سابقاً) تحت اسم أس الـصراع في الشام (@Osalsera3sham). وتشير التقارير أيضاً إلى الظهور الخاطف لشخصية من حلفايا تُعرف باسم إياد حلفايا، والذي عمل مرافقاً للشرع قبل أن تعتقله هيئة تحرير الشام بتهمة التجسس لصالح التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية. وما يزال مصير إياد حلفايا مجهولاً.
كانت هذه التناقضات حية ونشطة في حلفايا عندما استعادت قوات الأسد السيطرة على البلدة في أبريل/نيسان 2017. ثم، في أوائل ديسمبر/كانون الأول 2024، سيطرت عليها المعارضة كجزء من الهجوم الذي حمل اسم عملية "ردع العدوان". وبعد أقل من أسبوعين، انهار نظام الأسد، وأشرقت شمس حلفايا بطريقة لم يكن ليتخيلها أكثر سكانها تفاؤلاً.
بعد خمسة عشر عاماً من انطلاق الثورة، وصل أبناء حلفايا من الفصائل المسلحة إلى دمشق، يقودهم المهندس الزراعي مرهف أبو قصرة، المعروف بلقبه العسكري "أبو الحسن 600"، والذي سيتولى لاحقاً منصب وزير الدفاع. وبعض الذين غادروا حلفايا إلى خطوط المواجهة ووصلوا دمشق لم يبقوا فيها طويلاً؛ بل عادوا إلى حلفايا، وهم يحملون هذه المرة مفاتيح المناصب الرسمية.
وفي حكومة تسيير الأعمال التي شُكلت في الأسابيع التي تلت سقوط الأسد، ذهبت أربع حقائب وزارية لشخصيات من حلفايا: الدفاع (مرهف أبو قصرة)، والتجارة الداخلية (ماهر خليل الحسين)، والزراعة (محمد طه الأحمد، الذي أصبح لاحقاً سفيراً في مصر)، والأوقاف (الشيخ علاء حسين الموسى). وتبع ذلك المزيد.
وعلى مدار العام الأول من حكم الشرع، شغل أفراد من حلفايا مناصب سلطوية رئيسية في مختلف أنحاء سوريا الجديدة. وحسب ما تمكنا من توثيقه، جاء التوزيع على النحو التالي: في الأمن الداخلي، يرأس العميد محمد قرموز جهاز الأمن الداخلي السوري. وفي دمشق، يدير العقيد أحمد دغيم فرع الأمن الجنائي. ويتولى عبد المعين الحلبي الإشراف على الأمن الجنائي في منطقة الغاب. وعلى الحدود الجنوبية، يقود بهاء مجبر "أبو اليمن" حرس الحدود. وعلى الحدود الشمالية، يدير أيمن أبو قصرة، شقيق وزير الدفاع، معبر جرابلس الحيوي استراتيجياً مع تركيا. وداخل الجيش، يشرف العميد مؤيد الحسين على منظومة الإمداد والتموين للقوات المسلحة (الغذاء، الكساء، واللوجستيات)، ويشغل العميد وسام الشيخ حميد منصب نائبه. وقد نال هؤلاء الرجال جميعاً ترقياتهم العسكرية مباشرة من الشرع.
وفي الاقتصاد، انتقل ماهر خليل الحسين من منصب وزير التجارة الداخلية ليصبح معاوناً لوزير الاقتصاد. وفي الإدارة المحلية، تولى أحمد الصيادي إدارة منطقة محردة وما حولها. وفي وزارة الخارجية، يدير عامر يحيى القصوم دائرة الرقابة والتفتيش. وفي الرياضة، يترأس زيد أبو زيد الاتحاد العربي السوري للفروسية، ومن بين أقاربه العميد الحاج ربيع أبو زيد.
وفي قطاع الطاقة، شغل المهندس حسن أبو قصرة أربعة مناصب منفصلة في أقل من عام بعد عودته من تركيا إلى سوريا. ووفقاً لوسيلة الإعلام السورية "زمان الوصل"، تمثلت هذه المناصب في: مدير فرع محروقات اللاذقية (وزارة الطاقة)؛ ورئيس الدائرة الفنية في مديرية المحروقات (وزارة الدفاع)؛ ورئيس الدائرة المركزية لضبط الجودة (وزارة الطاقة)؛ ومعاون مدير عام مديرية الخدمات الطاقية (وزارة الطاقة). وينتمي أيضاً إلى عائلة أبو قصرة أحمد أبو قصرة، وهو معاون لوزير الدفاع رافقه في زيارة الشرع إلى موسكو. يمنحنا هذا ما لا يقل عن 20 شخصية من بلدة لا يتجاوز عدد سكانها 30,000 نسمة. ولا يتشاركون جميعاً كنية واحدة، لكنهم يتشاركون مسقط الرأس نفسه.
إن ما حدث في حلفايا ليس حالة معزولة بل هو تعبير مكثف عن ظاهرة أوسع: فالمناطق التي شكلت العمود الفقري للثورة المسلحة، وعلى رأسها إدلب، أصبحت خزان التجنيد الأساسي للنخبة الحاكمة الجديدة. إذ ينحدر خمسة من معاوني وزير الدفاع من إدلب؛ ثلاثة منهم من تفتناز، وهم: العميد فهيم عيسى (مدني من أصول تركمانية ومؤسس فصيل السلطان مراد)؛ واللواء محمد خير حسن شبيب (مدني سابق)؛ والعميد محمد ضياء صالح "أبو صالح طحان". وينحدر سيادة العميد الركن فضل الله الحجي، وهو ضابط انشق عن قوات نظام الأسد، من كفر يحمول؛ كما ينحدر العالم الديني العميد أحمد عيسى الشيخ من سرجة. ومن قرية محمبل في ريف إدلب، ينحدر علاء محمد عبد الباقي، وهو مدني خريج معهد هندسي وعضو سابق في هيئة تحرير الشام، أصبح عقيداً بموجب مرسوم عسكري (رقم 8، الصادر في 28 ديسمبر/كانون الأول 2024) وتسلم قيادة فرع الإمداد والتموين في الفرقة 90 التابعة للقوات المسلحة السورية.
وحتى الإعلام لم يسلم من ذلك. فمنصة "مبدعون سوريون"، التي كانت تعمل انطلاقاً من إدلب، شهدت تسلم كوادرها مفاصل الإعلام الرسمي للدولة السورية: علاء برسيلو مديراً عاماً للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون؛ ومحمد أبو زيد معاوناً لوزير الإعلام؛ وزياد المحاميدي مديراً لوكالة الأنباء السورية (سانا)؛ وحمزة قرطاوي مديراً للإعلام الرقمي؛ وباني فرعون، مدير المنصة نفسه والخريج عام 2024 من جامعة إدلب، رئيساً لقناة الإخبارية السورية.
إن هذه "الأدلَبة" (نسبة إلى إدلب) لعدد كبير من مفاصل سلطة الدولة، وملء كل منصب يمكن الوصول إليه بالأقارب والمحاسيب، تظهر بأوضح صورها في عائلة أبو قصرة بحلفايا، رغماً عن أنها ليست الحالة الوحيدة على الإطلاق. ويبدو أن النموذج الأبرز يتجسد في عائلة الرئيس الانتقالي نفسه.
ففي غضون أربعة أشهر فقط، وزع الرئيس الانتقالي أرفع المناصب على أفراد عائلته المباشرين. فشقيقه ماهر الشرع، بعد أن شغل سابقاً منصب وزير الصحة في الحكومة الانتقالية، أصبح أميناً عاماً لرئاسة الجمهورية. وعُين شقيق آخر له، وهو حازم، رئيساً لهيئة الاستثمار. وأصبح صهره أحمد الدروبي حكماً مصرفياً بصفة الأمين العام للمصرف المركزي. أما صهره الآخر، ماهر مروان إدلبي، فقد عُين محافظاً للعاصمة، وهو الرجل نفسه الذي أصدر القرار المثير للجدل الواسع بحظر بيع الكحول في دمشق. وضمن الدائرة الأوسع لأقارب أحمد الشرع، عُين شخص يُدعى قتيبة بدوي، وهو ابن عم السيدة الأولى، مديراً عاماً للمؤسسة العامة للمنافذ البرية والبحرية، ويعمل صهر الرئيس "أبو حمزة" في مكتب ماهر الشرع.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، عُين أويس الشرع (35 عاماً)، وهو ابن عم الرئيس، مسؤلاً أمنياً عاماً لدمشق. وكان قد شغل سابقاً منصباً أمنياً داخل هيئة تحرير الشام، وترقى من رتبة مقدم إلى عميد في غضون شهرين فقط، وهي مسيرة تتطلب عادة من الضباط السوريين ما لا يقل عن 20 عاماً من الخدمة والدورات والامتحانات.
هذا التكالب على المناصب، الذي يضع أسس العودة إلى حكم العشيرة — ولكنه الآن حكم متعدد العشائر بدلاً من عشيرة واحدة — دفع المرصد السوري لحقوق الإنسان إلى نشر تقرير يحمل عنواناً لاذعاً: "تعيينات المحسوبية في بؤرة الضوء: مسؤولو الدولة الانتقالية يسيرون على خطى الأسد وعائلته". ووثق التقرير حالة استياء واسعة النطاق في الأوساط الشعبية والإعلامية، حيث وُجهت الانتقادات إلى وزارات الأوقاف، وشؤون الطوارئ، والدفاع، التي وُضع فيها أقارب مقربون في مناصب حساسة. وقد قدم أحد الوجوه الإعلامية للسلطات الجديدة، حسن الدغيم، دفاعاً مفاده أن: هذه التعيينات "طبيعية تماماً، نظراً لأن البلاد بحاجة إلى كفاءات". ومع ذلك، فإن السير الذاتية المنشورة لمعظم المعينين لا تكشف عن أي خبرة سوى القرب من المسؤول الذي قام بتعيينهم.
إن هذه التعيينات والمبررات ليست مجرد هفوات عابرة، بل هي تعبير عن طبيعة النظام الجديد نفسه. فسوريا ما بعد الأسد لم تتخذ بعد شكلاً واضح المعالم؛ ويمكن وصفها حالياً بأفضل شكل بأنها "دولة هلامية أو سائلة": دولة رأت النور عبر توافق دولي. وهذا يعني أنها ليست حصرياً نظام هيئة تحرير الشام أو نظام أحمد الشرع بمفرده. فتركيا، التي دعمت فصائل متعددة، ضمنت حصتها في هذه الترتيبات، وكذلك فعلت دول أخرى. ويخلق هذا التعدد في مراكز النفوذ الإقليمية والدولية أرضاً خصبة لظهور مراكز قوى محلية من الصفين الثاني والثالث داخل هذه الدولة السائلة. ومع ذلك، فإن هذه السيولة وهذا التشتت في النفوذ لم ينتج نظاماً أكثر عدلاً أو كفاءة، بل أفرز شيئاً آخر: عودة سياسات المحسوبية والزبائنية في قوالب جديدة.
وجد السوريون الذين راهنوا على قطيعة تامة مع الأسدية أنفسهم في مواجهة واقع مقلق: فليست هناك عائلة الأسد فحسب بل عائلة الشرع أيضاً؛ وليست هناك القرداحة وحدها بل "حلفايا" متعددة. كان لنظام الأسد مركز ثقل واحد: عائلة واحدة من بلدة واحدة، تسيطر على المفاصل الحيوية للدولة عبر مناصب عسكرية وأمنية واقتصادية حاسمة (الفرقة الرابعة بقيادة ماهر الأسد، الفرقة 90 بقيادة زهير الأسد، مؤسسة الإسكان العسكري بقيادة هلال الأسد، والقطاعات الاقتصادية المدرة للمال تحت إدارة رامي مخلوف). أما النظام الجديد فيوزع مناصبه بشكل أكثر علانية وعبر أيدٍ أكثر تعدداً: الوزارات، الأمن الداخلي، المعابر الحدودية، المصرف المركزي، مع ترقيات سريعة المسار تتجاوز الإجراءات القانونية.
يمثل مرهف أبو قصرة مركز ثقل من الصف الأول: وزير دفاع يوزع أقاربه على المناصب الحساسة. ويقدم وزير الخارجية أسعد الشيباني، المرتبط بالشرع من خلال المصاهرة، نموذجاً آخر: إذ وضع شقيقه رأفت على رأس المؤسسة العربية للإعلان، وأسس الأمانة العامة للشؤون السياسية التي تعمل كمعادل عملي لحزب البعث المنحل، ولكن بصلاحيات أوسع بكثير.
إن مراكز الثقل المتعددة هذه — القائمة على أساس حلفايا، أو إدلب، أو العائلة — لم تظهر بمحض الصدفة، وليست ظاهرة سورية فريدة. بل هي نمط متكرر في الأنظمة العسكرية والاستبدادية عبر التاريخ، من العراق إلى فيتنام ورواندا. ففي مثل هذه الأنظمة، يميل مسقط رأس النخبة الحاكمة إلى التحول لمركز ثقل سياسي وعسكري واقتصادي، ومقصد يحج إليه الناس العاديون لحل مشكلاتهم عبر من يمسك بزمام النفوذ هناك. ولكن في تلك البلدان الأخرى، نمت مراكز الثقل هذه ببطء على مدى عقود. أما في سوريا ما بعد الأسد، فإننا نشهد تبلوراً سريعاً لمراكز جديدة في أعقاب سقوط القرداحة، وسط تدافع القوى المحلية والإقليمية على المغانم.
وغالباً ما تضرب جذور نشوء هذه المراكز في شرعية النظام غير الديمقراطية والقائمة على العنف. ولحماية نفسه، يتعين على نظام كهذا أن يجند أشخاصاً من شبكات القرابة والقربى: الأقارب، الأصهار، رفاق السلاح، أو أبناء المناطق نفسها. ويتم اختيارهم بناءً على ولائهم لـ "القائد الملهم". وتسير التعيينات وفق سلسلة تتجاوز القانون ولا تُبنى على الجدارة ولا على التدرج البيروقراطي.
ففي العراق، جلب الرئيس أحمد حسن البكر، وهو نفسه من تكريت، الرجل الذي سيطيح به في النهاية: صدام حسين، وينتمي كلاهما إلى فخذ البيكات من عشيرة ألبو ناصر التكريتية. وبدوره، جلب صدام معه مرافقاً شخصياً من تكريت وهو عبد حمود التكريتي، ووزير الدفاع حردان عبد الغفار التكريتي، وتطول القائمة. واستثمر صدام بكثافة في تكريت وبنيتها التحتية، محولاً إياها على مر العقود إلى قطب اقتصادي واجتماعي يضم بعضاً من أفضل المستشفيات والمدارس والجامعات والطرق في العراق، فضلاً عن عشرات القصور الرئاسية. وشغلت العشائر التكريتية، لا سيما من قرية العوجا، مناصب حساسة في الحزب الحاكم والجيش والأجهزة الأمنية. وبعد سقوط نظام صدام في عام 2003، تحولت تكريت من مركز للسلطة إلى مدينة منبوذة، واستُهدف سكانها بالعنف الطائفي بسبب ارتباطهم بالنظام القديم. واليوم، لم تعد تكريت مكاناً جاذباً للناس.
واختلفت علاقة الأسد بمسقط رأسه عن علاقة صدام بتكريت. فالقرداحة، القرية السورية التي ولد فيها حافظ الأسد، كانت مركز ثقل طوال فترة الحكم الأسدي، حيث أمدت النظام بأشقاء الرئيس، رفعت وجميل؛ ونجليه، ماهر وبشار؛ وابنته بشرى، فضلاً عن قادة الأجهزة الأمنية والعسكرية من عائلة مخلوف، أصهار الأسد.
وفي مخيلة العديد من السوريين، أصبحت القرداحة مدينة للثراء والرفاهية. غير أن الواقع كان خلاف ذلك: إذ وجد تحقيق أجرته وكالة أسوشيتد برس أن السكان العاديين في القرداحة لم يشاركونا في الرخاء المرتبط بعائلة الأسد، وأن معظمهم عاشوا في فقر. وقال أحد السكان: "كان الجميع يفترضون أن القرداحة بُنيت من الرخام". لكن الواقع كان متمثلاً في الزراعة، والعمل اليدوي، ثم التجنيد الإجباري في الجيش. وبعد سقوط النظام، اختفى آلاف من سكانها أو أودعوا السجون.
ومع ذلك، تميز المعقل السلالي للأسد بخصيصة واحدة تغيب اليوم: فحكم حافظ الأسد، وبدرجة أقل حكم ابنه، كان يستند إلى بنية أيديولوجية متعددة الطوائف، تظاهرت في حزب البعث، الذي استوعب بحق جميع طوائف سوريا وإثنياتها. هذا الوعاء الأيديولوجي أتاح للأسد الأب تجنب الوقوع في الفخ الطائفي؛ فكبار ضباطه، بمن فيهم الشخصيات الأمنية، جرى اختيارهم من الأغلبية السنية، ومنهم رجال مثل ناجي جميل، وعلي ظاظا، وحكمت الشهابي.
وساعدته في ذلك الحركة القومية العربية التي هيمنت على الحياة السياسية في السبعينيات. ولا تتوفر مثل هذه الحاضنة للشرع، الذي لم يخرق هذه الأغلبية السنية بل اختار منها شريحتها الأقل وزناً، وهي السلفية الجهادية، التي تملأ اليوم مراكز الثقل من حوله وستسبب له مشكلات خطيرة مستقبلاً، لاسيما بسبب طابعها الريفي العميق.
إن تحول هذه البلدات الريفية إلى مراكز ثقل، تحتكرها عائلة واحدة أو حفنة من العائلات، يدفع تلقائياً بغالبية سكانها المحليين إلى العيش على الهامش. وتكشف جولة في حلفايا بعد عام ونصف من سقوط الأسد أن نسيج الحياة اليومية لم يتغير فيه إلا القليل. فرئيس وزراء الدفاع، برفقة وزير العدل، ترأس افتتاح مسجد حلفايا الرئيسي بعد ترميمه من قبل منظمة إغاثة تركية في بداية شهر رمضان الماضي. وفي المقابل، تعاني البلدة نفسها من قائمة طويلة من الإخفاقات الخدمية. فقد تحسن وضع الكهرباء، لكن أسعارها أصبحت باهظة بشكل يعجز الناس عنه؛ والرعاية الصحية سيئة، لكي نتوخى اللين في الوصف. والطرق ليست بالمستوى المطلوب. وأعمال الإصلاح في جسر طيبة الإمام-حلفايا، وهو رابط البلدة الوحيد بحماة، مستمرة منذ ستة أشهر ولن تنتهي إلا بعد شهور أخرى. وقد أُعيد فتح مستشفى البلدة بفضل تمويل ألماني.
ولا يمكن لـ "افتتاحات التنمية" هذه أن تخفي حقيقة أن الحياة اليومية لم تتغير بالنسبة لمعظم الناس. وما يزال السكان النازحون ينتظرون إعادة الإعمار قبل أن يتمكنوا من العودة إلى ديارهم ومغادرة المخيمات. وقال أحد سكان حلفايا، الذي بدأ في ترميم منزله المدمر: "حتى مع ضعف الخدمات، سيعود الجميع إلى بلدتهم". وربما كان هذا الصبر تحديداً هو ما منح السلطات الجديدة مساحة لبناء عالم منعزل عن أولئك الذين تدعي خدمتهم.
في سوريا ما بعد الأسد، تبلور نظام تتقاسم فيه عائلات جديدة وشبكات عشائرية ريفية مفاصل الدولة كغنائم حرب. والفارق هو أن نظام الأسد، على الرغم من كل استبداده، حافظ على قناع الدولة: فكان لديه دستور، وبرلمان، وقوانين، ومؤسسات توزع المناصب وفق آليات بيروقراطية — مهما جرت هندسة تلك الآليات. وكان السوري الذي يريد وظيفة حكومية يحتاج إلى الواسطة، نعم، ولكنه كان يحتاج أيضاً إلى شهادة وسجل رسمي. وكان من الممكن الالتفاف على القانون، لكنه كان موجوداً كإطار.
أما في النظام الجديد، فلم يعد يثير الدهشة أن يصبح خريج معهد هندسي ضابط إمداد في فرقة قتالية، أو أن يُرقى شاب في الخامسة والثلاثين من رتبة مقدم إلى عميد في غضون شهرين — وهو صعود كان يتطلب في السابق عقوداً في السلك العسكري. وتوضح التعيينات الدبلوماسية في السفارات السورية حول العالم كيف تُبنى الدولة الجديدة: على العلاقات والعائلات بدلاً من الخبرة، مع مسحة من الإدارة الإعلامية في الأعلى.
وبناءً على هذه التعيينات، تتشكل مراكز ثقل جديدة في جميع أنحاء سوريا كأقطاب متنافسة. فكل مركز يريد حصته؛ وكل منطقة تريد نصيبها. وهذا التعدد في المراكز لا يوزع السلطة بقدر ما يفرغ تماسك الدولة من مضمونه، ويذيب السلطة المركزية في خصومات خفية على مناصب النفوذ. في الماضي، كان مجلس الوزراء يتحمل المسؤولية الجماعية عن جميع مؤسسات الدولة. واليوم، تبني كل وزارة عالمها الخاص. وإن وجود "شيخ" غير معلن في كل وزارة — وهي شخصيات ذات خلفيات عسكرية أو دينية لا علاقة لها بالخبرة اللازمة لبناء دولة — يعني أن السياسات لا تُصاغ بناءً على أي رؤية موحدة أو متماسكة أو وطنية. ليس فقط لأن الخبرة غائبة، بل لأن هذه الشخصيات منخرطة، وكانت دائماً، في تنافس على السلطة وتقاسم المغانم.
ولا علاقة لهذا باللامركزية التي يطمح إليها الكثير من السوريين، بل على العكس تماماً. فهذا التنافس الخفي بين المراكز يدمر بنشاط أي محاولة لتخفيف قبضة التحكم المركزي، مستبدلاً إياها لا بحكم أكثر محلية، بل بمراكز فرعية متخبطة ومؤذية في المحافظات. فقد أعلن محافظ اللاذقية حظر مستحضرات التجميل في الدوائر الحكومية؛ وحظر محافظ دمشق الكحول في العاصمة؛ وحظر محافظ حماة التجمعات العامة، وهلم جراً. فكل محافظ لديه كونه الخاص؛ وكل "شيخ" لديه وزارته.
إن مراكز الثقل الجديدة في سوريا الجديدة ذات طابع ريفي طاغٍ. فأبناء ريف إدلب يديرون مرفأ طرطوس، وفرع محروقات اللاذقية، وجهاز الأمن الداخلي، في حين تكاد تختفي أسماء العائلات البرجوازية المدينية التقليدية من أي منصب حكومي.
ويثير هذا سؤالاً مقلقاً: هل الريف السوري الذي صعد على حساب المدن في الخمسينيات — عبر الجيش أولاً ثم عبر حزب البعث، منتجاً دولة شديدة المركزية رغم كل الاعتراضات عليها — سيعيد الآن إنتاج الكارثة عبر تفكيك آليات الاختيار البيروقراطية والديمقراطية وخلق دولة فاشلة؟
وأياً كانت أسباب الثورة السورية، فإن نتيجتها هي أن العالم الريفي الذي حكم سوريا لستة عقود من خلال البعث، والذي انتفض بعد ذلك على نفسه، قد عاد ليحكم مجدداً، ولكن هذه المرة من خلال تنظيمات مسلحة ومراكز ثقل متنافسة. والنتيجة: دولة أضعف وفوضى أعمق. والفارق هو أن فشل الأمس كان بطيئاً؛ واستغرق ستة عقود. أما فشل اليوم فقد يأتي أسرع، لأن ما هو قائم لم يعد دولة، بل أرخبيلاً من مراكز الثقل المتناحرة.