الإبادة الجماعية والتطهير العرقي وتشريد الأكراد: يجب على العالم محاسبة سوريا
كانتا أحمد *
المقال باللغة الانجليزية منشور في www.spectator.com.au
بينما يتركز اهتمام العالم على فنزويلا بعد إقالة الرئيس نيكولاس مادورو، وعلى الاحتجاجات المناهضة للحكومة في إيران، شنّت حكومة دمشق بقيادة أحمد الشرع هجوماً مسلحاً استراتيجياً على مدينة حلب في شمال سوريا، أسفر عن مقتل عدد كبير من الأشخاص وتشريدٍ واسع النطاق.
في حين ركزت الولايات المتحدة ردها على تنظيم داعش بشن غارات في سوريا بالتنسيق مع حليفتها، قوات سوريا الديمقراطية، التي تؤمن شمال شرق سوريا، فإنها لم تُصدر حتى الآن أيّ إدانة للهجوم التدميري الذي ترعاه الدولة ضد الشعب الكردي في حلب. ويجب أن يصدر موقف أمريكي ودولي واضح عبر الإدانة، والرد العسكري، وتقديم المساعدات الإنسانية، والدعم اللازم.
(جدير بالذكر أن الغارات الأمريكية على داعش كانت انتقاماً لمقتل جنديين أمريكيين ومترجم مدني أمريكي على يد داعش في مدينة تدمر في 13 ديسمبر 2025).
أدت العمليات السورية إلى نزوح أكثر من 200 ألف كردي من حلب، ويواجه 300 ألف مدني محاصر أوامر بالتهجير. بينما تُشير بعض التقارير الإعلامية، بشكلٍ مُضلل، إلى "اشتباكات" كردية-سورية، فإن ما حدث في الواقع هو هجومٌ إسلاميٌّ مُتعمَّدٌ، برعاية الدولة السورية، يُشبه الإبادة الجماعية، وتشريدٌ قسريٌّ، وعمليةٌ عسكريةٌ مُستهدفةٌ ضدّ سكانٍ أكرادٍ عُزَّلٍ يُواجهون الآن خطر الإبادة..
يأتي هذا الاستهداف والقتل والحصار المتعمّد للشعب الكردي في حلب مع اقتراب الموعد النهائي في 10 مارس لتنفيذ الاتفاق الهادف إلى دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن منظومة الدفاع العسكري السوري.
وبوصفي خبيراً في الحركات الإسلامية المتطرفة، ومطّلعاً على اضطهاد الجهاديين الإسلاميين للشعب الكردي منذ أن شاهدت ممارسات داعش ضد الأكراد والإيزيديين في شمال العراق عامي 2018 و2019، أرى أن طبيعة وتوقيت هذه العملية لهما جذور وسياق معروفان.
تمثّل أفعال النظام السوري النمط القاتل للتطرف الجهادي الإسلامي المتأصل في خلفية أحمد الشرع كجهادي إسلامي، وهي العقيدة التي لا تزال قواته الموالية له ترفض التخلي عنها.
في أكتوبر من العام الماضي، سافرت براً من العراق للقاء قائد قوات سوريا الديمقراطية، الجنرال مظلوم عبدي، المسؤول عن الأمن والاستقرار في شمال شرق سوريا. هذه المنطقة تضمّ مكوّنات سوريا التعددية: الأكراد، والإيزيديين، والمسيحيين، والعرب السوريين المسلمين غير الإسلاميين والمتشددين، والدروز الذين فرّوا من السويداء في جنوب غرب سوريا عقب مجزرة يوليو 2025 التي ارتكبتها قوات الشرع ضد الدروز.
وما كان يخشاه الكثيرون آنذاك قد تحقق: أحمد الشرع عاجز عن ضمان سلامة وكرامة وحياة الأقليات الكردية في سوريا، لا سيما في أعقاب الإبادة الجماعية السابقة التي طالت العلويين والدروز. ويخشى الكثيرون أن يكون المسيحيون في سوريا هم الضحية التالية.
في وقت سابق من هذا الشهر، تلقيت تقارير مفصلة مباشرة من قيادة قوات سوريا الديمقراطية حول الخطر المحدق بحيّي الشيخ مقصود والأشرفية داخل مدينة حلب شمالي سوريا. ويقطن هذان الحيّان أكثر من 500 ألف شخص (منهم نحو 55 ألف أسرة كردية) إضافة إلى عدد من الأكراد السوريين النازحين. وقد صدرت أوامر بإخلائهم جميعاً.
في السادس من يناير، استهدفت قوات تابعة لوزارة الدفاع السورية المدنيين في هذين الحيّين بطائرات مسيّرة انتحارية، ما أسفر مبدئياً عن إصابة ثلاثة مدنيين غير مسلحين. وبعد ذلك بوقتٍ قصير، بدأ قصفٌ مكثّف استهدف الأحياء الكردية المدنية في حلب، أعقبه نشر فرقة الدبابات الستين بموكب من الدبابات والمركبات العسكرية المدرعة لاحتلال هذه الأحياء الكردية بالقوة.
قاد هذا الهجوم قادة متمرّسون من تنظيم «هيئة تحرير الشام» الجهادي، بعضهم خاضع لعقوبات بتهم جرائم حرب وتطرف. وكان مقاتلو الفرقتين الستين والثمانين من المتشددين المعروفين، وكانوا سابقاً منتسبين إلى «هيئة تحرير الشام»، وآخرهم تحت إمرة أبو قتيبة المنبجي، أحد كبار القادة السابقين في الهيئة.
وانضمّت إلى الهجوم أيضاً الفرقة السادسة والسبعون، التي تأسست من فصيل «الحمزات» المدعوم من تركيا، بقيادة سيف الدين بولاد (أبو بكر) – الخاضع حالياً لعقوبات أمريكية.
ويُعدّ سيف الدين بولاد من الجهاديين المتورطين في الإبادة الجماعية: ففي مايو 2025، فرض مجلس الاتحاد الأوروبي عليه وعلى فصيله عقوبات بسبب مشاركته في مجازر مارس 2025 ضد العلويين السوريين، وبنهاية عام 2025 فرضت المملكة المتحدة أيضاً عقوبات عليه وعلى فصيله لما ارتكبوه من عنف مفرط في الحرب الأهلية السورية وإبادة العلويين.
كما شاركت الفرقة الثانية والسبعون، بقيادة القائد السابق في هيئة تحرير الشام المعروف باسم «خطّاب الألباني»، في حصار الأحياء الكردية بحلب والهجوم عليها، وهي فرقة تضم مقاتلين من عدة فصائل مدعومة من تركيا – الراعي الرئيسي لهيئة تحرير الشام.
وبينما كانت الأحياء الكردية تحت نيران القصف الجوي والمدفعي، قامت قوات وزارة الدفاع السورية بإخلاء المدنيين من الأحياء المحيطة، لعزل السكان الأكراد المحاصرين، وإعلان المنطقة «منطقة عسكرية».
أسفر الهجوم في بدايته عن مقتل سبعة مدنيين، ليرتفع عدد الضحايا لاحقاً إلى اثني عشر، بينهم نساء وأطفال، أحدهم يبلغ عامين فقط، وأكبر الضحايا سناً تجاوز الخامسة والثمانين. كما أصيب 52 شخصاً وقت إعداد التقرير.
يعاني أكراد حلب من الحصار منذ زمن طويل. فمنذ 23 ديسمبر 2025، قطعت حكومة أحمد الشرع التيار الكهربائي عن الأحياء الكردية داخل حلب، والآن يُجبر أكثر من نصف مليون شخص على مغادرة منازلهم.
ومنذ ديسمبر، أجرى الجنرال مظلوم عبدي وقوات سوريا الديمقراطية عدة محادثات مع حكومة أحمد الشرع حول ضرورة توفير وقود الديزل للتدفئة داخل الأحياء المحاصرة، لكن نقاط التفتيش العسكرية التابعة لوزارة الدفاع السورية ما زالت تمنع دخول شاحنات الوقود – ولم يحصل السكان ولا المدارس على أي وقود، ما حرم أطفال الأكراد السوريين من التعليم.
قبيل الهجوم في 6 يناير، التقى الجنرال مظلوم عبدي بوزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة في دمشق في الرابع من يناير، وطلب السماح بدخول شاحنات الوقود، لكن الوزير رفض بشدة بحجة أن الوقود سيُستخدم لآليات قوات سوريا الديمقراطية.
ضاعف الوزير قصرة من شدة الحصار، مستهدفاً المدنيين الأكراد العُزّل، ورفض استئناف الحوار، وسمح بمواصلة التحضير للهجوم العسكري. ويُعدّ ذلك شكلاً من أشكال العقاب الجماعي برعاية الدولة، وهو محظور صراحة بموجب القانون الإنساني الدولي، ولا سيما اتفاقيات جنيف.
ومع تجاهل دمشق لمطالبهم، سعت قوات سوريا الديمقراطية إلى الاجتماع مع قادة الجيش السوري في حلب لوقف الهجوم، لكن هذه النداءات قوبلت بالصمت. وتصاعدت العمليات، وفي مساء 7 يناير استقدمت وزارة الدفاع السورية ما يُعرف بـ«أصحاب العصبات الحمراء»، وهم فصائل جهادية مرتبطـة مباشرة بتنظيم القاعدة، وانضمّت إليها تعزيزات ثقيلة من إدلب – المعقل الأصلي لهيئة تحرير الشام بزعامة أحمد الشرع – ما زاد الضغط العسكري على الأكراد في حلب.
إن استخدام النظام السوري للعنف الإبادي ضد المدنيين كوسيلة لترهيب أو الضغط على قوات سوريا الديمقراطية والجهات الساعية لاستقرار سوريا وتنوعها وسلامها، وخاصة في هذا الظرف السياسي الحساس في سوريا الجديدة، يُعد تصرفًا طائشًا ومزعزعًا للاستقرار ويستحق الإدانة الدولية والرد بالمثل.
تُشكّل أفعال الحكومة السورية في حلب عائقاً إضافياً أمام الاستثمار الدولي في «سوريا الجديدة»، وينبغي أن تدفع نحو تعليق إلغاء «عقوبات قيصر».
يجب محاسبة أحمد الشرع على الهجوم الإبادي ضد الأكراد في حلب. كما يجب أن توفّر قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة أو غيرها من القوات الدولية الحماية للشعب الكردي هناك، وعلى المجتمع الدولي أن يطالب بانسحاب تركيا من احتلالها لحلب.
إن تركيا شريكة في الإبادة الجماعية والتهجير القسري للشعب الكردي في حلب، ويجب اتخاذ إجراءات عقابية لإيصال رسالة واضحة بأن المجتمع الدولي يتوقع حماية الأقليات السورية من التطهير العرقي والإبادة والتهجير والاستئصال، مهما كان الثمن.
فقط عندئذ يمكن اعتبار سوريا جزءاً حقيقياً من النظام الدولي الشرعي.
* Qanta A. Ahmed MD, Senior Fellow, Independent Women’s Forum; Life Member, Council on Foreign Relations @MissDiagnosis