الدُروز في حدود الصدمة والذاكرة الجماعية

الدُروز في حدود الصدمة والذاكرة الجماعية

سامي داوود

تمهيد:
تُحدث الإبادة الجماعية لدى الناجين منها وعيًا بضرورة إعادة تنظيم أنفسهم وفقا لتصور هوياتي مختلف جذريًا. فحينما يكون سبب تمايز جماعة ما هو ذاته سبب استهدافها، يتحول العنف الذي تتعرض له إلى آلية لإعادة تعريف الجماعة لذاتها وللكيفية التي تُرى بها في عيون أعدائها. عندئذٍ، تتصدع علاقتها مع المجتمع الذي كانت تتصور نفسها جزءًا منه وتعرضت للإبادة من قبله، وتنسج لهويتها رابطتها الخاصة، متصورةً ذاتها جزءًا من كل فرد ينتمي إلى الفئة المستهدفة بوصفها فئة مختلفة، لا بفعل تجانسها الداخلي، بل بفعل تهديد وجودي مشترك. وتنحسر علاقتها مع المجتمع المحيط إلى درجة القطيعة، ليس بوصفه كيانًا عدوانيًا في جوهره، بل لتحوله إلى فضاء انهارت داخله افتراضات الأمان والانتماء، وتحول في وعي الجماعة المُستهدفة إلى عالم ثقافي موازي يستحيل التوافق معه في لحظة ما بعد الصدمة.
في هذا السياق، يغدو المحتوى الثقافي لأي جماعة هو الحدود الفعلية لوجودها، بينما تتقلص الجغرافيا إلى خطوط شاسعة لترسيم الخصومة، ووفق هذه الحدود المعاد تشكيلها تتبلور ديناميكيات التفاعل والإقصاء مع بقية الجماعات. ولا يُقصد بهذه العملية افتراض مسار حتمي أو نموذج واحد لإعادة تشكل الهوية بعد العنف الإبادي، ولا التعامل مع الجماعة المستهدفة كوحدة مغلقة متجانسة، بل فهم إعادة ترسيم الحدود الثقافية باعتبارها عملية تاريخية-إدراكية تتبلور استجابةً لعنف سعى إلى الإلغاء التام، دون أن تلغي معها التباينات الداخلية لهذه الجماعة أو إمكانات التفاعل المشروط مع المحيط. كما لا تنطوي هذه القراءة على تبرير معياري لنتائج العودة إلى الهوية الخاصة، بقدر ما تسعى إلى تفكيك شروط تشكّله بوصفه استجابة تلقائية لصدمة وجودية، تعيد معها تشكيل النظرة المتبادلة بين الضحايا وبين الغزاة.
تفترض هذه المقالة أن محاولة الإبادة التي تعرض لها الدروز في سوريا، تموز 2025، وما رافقها من سياسات إذلال ممنهجة بحق رموزهم الثقافية بوصفهم جماعة إثنو–روحية Ethno-spiritual group، وتدمير الحوامل الرمزية لهويتهم، قد شكّلت صدمة جمعية أعادت تنظيم وعيهم بالذات وبالآخر، ودفعت إلى إعادة تعريف الانتماء ضمن نسيج اجتماعي يؤسس لوحدة ثقافية إدراكية تفصل بينهم وبين من لا يرى فيهم سوى موضوعًا محتملًا للقتل. وانطلاقًا من ذلك، أتناول مجزرة السويداء في ضوء مفهومين قابلين للتفاعل: مفهوم الحدود الثقافية للجماعة الإثنية لدى فريدريك بارث بوصفه أداة لتحليل آليات ما بعد العنف، ومفهوم التصور والإبادة لدى عمر بارتوف بوصفه إطارًا لفهم المنطق الإبادي ـ الخطاب، وسعي إلى نفي الوجود الجماعي ذاته.

ـ سياسات الإذلال
يرتكز العنف الداخلي في سوريا، في أحد أبعاده البنيوية، على الجناية السياسية التي ارتكبتها القوى الاستعمارية عقب الحرب العالمية الأولى، حين فُرضت حدود سياسية قسرية على جماعات أهلية متباينة، جرى تفكيك أنساقها الثقافية والتاريخية، بما جعل تشكّل أمة سياسية متماسكة أمرًا متعذرًا منذ لحظته التأسيسية. ولم تندثر هذه التركة، بل أُعيد إنتاجها لاحقًا على أيدي فاعلين جدد، عبر سياسات أعادت تحطيم الحدود الاجتماعية والثقافية للجماعات الأصلية، وأبقت الجغرافيا السياسية إطارًا صراعيًا هشًا بدل أن تكون مجالا للتثاقف والتكاتف.
وقد تفاعلت هذه البنية مع السياسات الإقصائية التي هيكلها حزب البعث داخل المجتمع السوري، لا بوصفه مجرد نظام سلطوي، بل كفاعل أعاد تنظيم الاجتماع السياسي على أسس إدارية مصطنعة، قسّمت المجتمع إلى وحدات مدينية ومحلية متعارضة عرقيًا ومذهبيًا. وتعمّق هذا التفكيك عبر حوامل عشائرية ومذهبية، استُخدمت لتعبئة خطاب ديني–سياسي متناقض، هدفه تثبيت هيمنة فئة عقائدية على السلطة، وإقصاء كل من لم يخضع لمنظومة الولاء التي نسجتها النخبة العسكرية البعثية، بالتكامل مع شبكات من تجار وأعيان المدن والأرياف، خصوصًا في دمشق وحلب. وفي هذا السياق، لم يكن الإقصاء نتاج اختلاف ثقافي بحد ذاته، بل نتيجة رفض الخنوع للفئة التي سلبت السلطة، ورفض التخلي عن الخصوصية الثقافية لصالح اندماج قسري في منظومة سلطوية شبكت بداخلها العنف الديني والسياسي لخلق "دولة متوحشة" بتعبير ميشيل سورا.
ضمن هذا المسار، تعرّض الدروز لإقصاء سياسي وتبخيس اجتماعي مُمنهج، استُخدمت فيه ذرائع دينية ذات طابع مخادع. فقد سلكت هذه الجماعة منذ القرن الحادي عشر مسارًا دينيًا خاصًا، يقوم على باطنية الإيمان (Esoteric belief)، حيث يُفهم الإيمان كتأويل عقلاني لوحدانية الله وللسبيل إليه، وكممارسة أخلاقية متعيّنة في حفظ العهود والالتزام بالعلاقة الإنسانية، لا كمجرد انتماء عقدي معلن، فالعقل: " هو المحور الأساسي في صلب مذهب التوحيد" . ومن هنا، تجلّى سبيلهم الروحي في الانتماء إلى الفكرة الروحية دون التحول إلى مذهبٍ دعوي، وهو ما جعل خصوصيتهم الثقافية عرضة لسوء الفهم والتأويل العدائي.

غير أن هذه الخصوصية وُضعت الدروز، شأنهم شأن العلويين والأيزيديين، في موضع الاستهداف من قبل التيارات السلفية السنية، التي صنّفت الدروز ضمن "الفرق الضالة"، محوّلة إياهم إلى عدو غير مرئي في المخيال السلفي. ويعود أحد الجذور المبكرة لهذا التصنيف إلى عبد القاهر البغدادي (980–1037) تلميذ أبو الحسن الأشعري والمختلف فكريا معه، في كتابه الفَرقُ بين الفِرَقِ، حيث كفّر جميع الفرق التي آمنت بالتناسخ وبباطنية المعتقد.
موفّرًا بذلك الأساس الفقهي الذي ستتغذى عليه لاحقًا فتوى ابن تيمية في القرن الثالث عشر، والتي حرّمت التعامل مع الدروز أو التزاوج معهم. ولم تكن هذه الفتاوى مجرد أحكام دينية، بل تحولت إلى سرديات تخييلية صوّرت الدروز كشعب منكفئ على عقيدة "مضادة"، لا تتوافق مع مصالح القبائل والجماعات التي احتكرت سلطة التأويل الفقهي، وقيدته بمنافعها الخاصة، فحوّل التفسير إلى أداة هيمنة، والمخالفين له إلى أعداء.
تراكمت هذه الخطابات الإقصائية عبر القرون، لتجد امتدادها في بدايات القرن العشرين، حين تناول محمد كرد علي ـ وزير المعارف في الحكومات السورية المتعاقبة ـ الدروز بازدراء في مجلته المقتبس، حينما لم تكن سوريا سوى ولايات عثمانية يتوسطها الجهل وبالجهل وحده تشكلت المتخيلات المتعارضة لشعوبها المتنوعة. ولم تكن توصيفاته سوى استدراك حديث لمحتوى فتاوى أقدم، وامتدادا لسرديات الصراع على النفوذ بين الشعوب التي توزعت في جنوب سوريا، على أراضٍ لم يملكها سوى الذين رسموا تخوم أراضيهم بالدم. متكأين على تحالفات غير متكافئة مع السياسات الاستعمارية التي جلبتها القوى الإمبراطورية المتداعية إثر الحربين العالميتين.
وتواصل هذا النمط من التبخيس في الكتابات الأكاديمية ذاتها، حين عمد حنا بطاطو، في كتابة (فلاحو سوريا 1999) الذي يتطابق عنوانه مع عنوان كتاب الاثنوجرافي الفرنسي جاك ويلرس (فلاحو سوريا والشرق الأدنى، غاليمار1946). إلى نزع الصفة الوطنية عن الثورة السورية الكبرى بقيادة سلطان باشا الأطرش، مختزلًا إياها في فعل زعامة قبلية. وقد استند في ذلك إلى مخطوط مجهول المصدر ورد في نص لكاهن مسيحي مناوئ للدروز، متجاهلًا السياقات الخلافية الدرزية–المارونية ، فخلط بين الأسباب الاقتصادية للفلاحين ملاّك الأراضي وبين مزاعم تدهور زعامة آل الأطرش، ومرة أخرى استنادًا إلى وثيقة بريطانية مبتورة . ومبسترا بذلك دور سلطان الأطرش في الثورة السورية إلى مجرد هبة زعيم قبلي استغل طائفته لأجل مصالحه، وكل ذلك بناءً على عبارة ينقلها عن الشهبندر بحق الأطرش، يدعي فيها بأن السلطان أخبر الشهبندر بأنه يقوم بالثورة إنقاذا لشرف طائفته وحسب . علما أن البيان الأول للثورة الذي قرأه السلطان كان قد صاغه بالتنسيق مع عبد الرحمن الشهبندر بعد اجتماعهما في قرية "كفر اللحى.
لقراءة الدراسة كاملة، أنقر على الرابط:


 Download